ثقف نفسك

كاروشي..قاتل اليابانيين ، والكسل..قاتل المصريين

يعرف الشعب الياباني بأنه الشعب الاكثر اجتهادا وحباً للعمل،وبحسب الاحصاءات فإن اليابانيين يعملون بمعدلات ساعات اضافية كثيرة يومياً مقارنة ببقية الشعوب. ورغم ان العمل الجاد والدؤوب يثمر تطوراً ونمواً في بلدهم، لكن هناك تداعيات بدأت تظهر من جراء الافراط في العمل .

 

مثل ظهور مرض “الكاروشي” الذى ظهر فى اليابان منذ عام 1969 وهو مرض أصله يابانى يعنى “الموت من الإرهاق”، ويعبر عن الموت الفجائي بسكتة قلبية للموظفين الذين يعانون من ضغط العمل وشدة الإرهاق والقلق،وتأتي البدايات الأولى لـ”الكاروشي” في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، ففي عام 1969 توفي موظف فجأة عن عمر يناهز 29 سنة، كان يعمل موظفًا في خدمة النشر لإحدى كبرى الجرائد اليابانية، نتيجة كثرة ضغوط العمل التي أدت إلى وفاته بأزمة قلبية ممثلًا بذلك أول حالة “كاروشي” في اليابان،وهناك مثال أخر لعامل في أحد المطاعم كان يعمل 110 ساعات أسبوعيًّا، ولم يكمل عامه الـ34 حتى توفي فجأة بأزمة قلبية .

 

وفي الثمانينات ظهر ما يمكن أن نُطلق عليه أحد أنواع “الكاروشي”وهو الانتحار بسبب الضغوط الناتجة عن الإفراط في العمل، والروتين، والمهمات المتكررة، وعدم التحكم في المهام.

 

وتتعدد الأسباب التي تجعل الموظفين في اليابان يفرطون في العمل، وليست كل الأسباب ناتجة لعوامل خارجية، فهناك أيضًا دوافع داخلية،منها خوف الموظفين وقلقهم من استياء زملائهم إذا ارتاحوا في أيام الإجازة.وهو أحد أهم أسباب هذا المرض وذلك بسبب إنتشار ثقافة يابانية ترتكز على تقدير المتفانين في العمل، ليس هذا فحسب وإنما يصل الأمر إلى أن يُنظر إلى الشخص الذي يستنفذ أيام إجازته المسموحة له أصلًا بأنه شخص ضعيف .

 

وهناك ثقافة سائدة في اليابان تميل إلى الزيادة في العمل حتى لو كانت تلك الزيادة تطوعية غير مدفوعة الأجر، فدائمًا لا يذهب العاملون إلى بيوتهم  وبالأخص الشباب منهم قبل مغادرة مدير العمل بالشركة، فحتى لو أنهى الموظف ساعات عمله ووجد رئيس العمل في الشركة يستمر في العمل ولا يغادره قبل مغادرة مديره.

 

ومن أحد أهم الأسباب التي تؤدي لـ”الكاروشي” أيضا هو اعتماد أصحاب العمل إلى تمديد ساعات العمل الأساسية بساعات عمل إضافية يقوم بها نفس الموظفين بدلًا من الاستعانة بموظفين جدد، وهذا ما أكده “كويا ميامي” الخبير الاقتصادي في شركة للأوراق المالية في طوكيو.

وتتباين الأرقام بين المصادر الرسمية وغير الرسمية حول تحديد ضحايا “الكاروشي” في اليابان، إذ تفيد المصادر الحكومية في اليابان عن وقوع 400 كضحايا للكاروشي، بين متوفٍ ومنتحر، بينما يرى خبراء أن العدد أكبر من ذلك بكثير وقد يصل إلى 22 ألف حالة سنويًّا، ويمكن إرجاع تباين الأرقام إلى أن هناك الكثير من الحالات يصعب إثباتها.

 

فقد وصل عدد ضحايا “الكاروشي” لعام 2013 إلى 197 حالة بين متوفٍ ومنتحر، بحسب الرواية الرسمية. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن عددًا من البيانات الرسمية أفادت بأن العمل الزائد بشكل عام قد يكون أحد الأسباب للانتحار الذي بلغ 2323 حالة في 2013، ووصل عدد حالات الانتحار السنوي إلى أعلى تقديراته في 2011، بـ2689 حالة.

 

كما سجلت حالات الاكتئاب الناجمة عن الافراط في العمل رقماً قياسياً. وغالباً ما يتعرض العاملون الذين يشغلون مناصب إدارية أو يدوية لضغوط هائلة إذ يقضي المديرون ساعات أطول في العمل لتعويض النقص في حجم العمالة، حيث تتجه الشركات إلى تقليص قوة العمل للحد من ارتفاع التكاليف، بينما تضغط على العمال من جهة ثانية للحصول على انتاج اكبر في وقت قياسي بغض النظر عما قد يتعرض له هذا العامل من ضغوط صحية ونفسية.

 

ونتيجه لذلك نشطت بعض الجمعيات اليابانية لمحاربة حالة الـ«كاروشي» عن طريق أقامة الندوات بهدف الدعوة إلى القضاء على التدهور الصحي وتحاول هذه الجمعيات نشر التوعية ومنع الشركات والمصانع من استغلال حاجة العمال وجهلهم للقانون، إذ ينص قانون العمل في اليابان على أنه يجب ألا يعمل الموظف أكثر من 8 ساعات يومياً و40 ساعة في الأسبوع أي 160 ساعة في الشهر، بينما وصل الحال ببعض العمال إلى العمل لـ300 ساعة شهرياً وهو أمر بلا شك سيؤدي إلى موتهم أو إصابتهم بامراض جسدية ونفسية كونهم يقومون بما لا تقوى أجسادهم على احتماله.

 

أما بالنسبة إلى ساعات العمل الإضافية فهي بحسب القانون يجب ألا تزيد على 45 ساعة شهرياً ولكنها وصلت الي 80 ساعة .

 

وقد عملت المنظمات اليابانية على صياغة قانون للحد من مرض الـ«كاروشي» الذي يفتك بالعمال اليابانيين كما تدعم هذه المنظمات أي عامل يرغب التقدم بشكوى والمطالبة بتعويض جراء أي مرض اصابه خلال العمل لساعات اضافية وقد تمكن البعض من اصابة النجاح. على سبيل المثال تمكن عامل من الحصول على تعويض بأمر من المحكمة بعد أن توفي زميل له كان يتولى منصب مدير أحد منافذ بيع مطعم وجبات جاهزة. وحصل العامل على تعويض قدره 7,5 ملايين ين من شركة الوجبات الجاهزة العالمية وقد مهدت قضيته الرابحة الطريق امام الكثير من العمال اليابانيين الذين يتعرضون للموت والمرض بسبب ساعات العمل الاضافية التي لا يتقاضون عنها أجرا .

فتسعي منظمات إنسانية يابانية اليوم إلى الحد من ظاهرة «كاروشي» والتي باتت تهدد الكثير من العمال اليابانيين. وتتزامن الاخبار عن ارتفاع نسبة هذه الظاهرة في الوقت الذي يتعرض فيه الاقتصاد الياباني لركود، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة، مما دفع بالشركات إلى تقليص اليد العاملة لديها وإرهاق عمالها بما يفوق طاقتهم ورواتبهم.

 

فبعض الشركات فصلت عددا من موظفيها وألقت بعبء العمل الموكل اليهم على زملائهم من دون ان تكترث لما يتطلبه ذلك من مجهود جسدي وفكري، حتى ان بعض الشركات والمصانع تتكل على عامل واحد لأداء دور اربعة عمال. حتى الشركات التي لم تقم بفصل أي من موظفيها أصبحت تميل إلى الأخذ بأسلوب الأداء في العمل لتقييم الموظف بدلا من الأسلوب التقليدي الذي يعتمد على أقدمية الموظف، وهو ما يدفع بالعمال والموظفين إلى العمل لساعات إضافية لاثبات كفاءتهم وإن تطلب الامر منهم مجهودا اضافيا يستنزف طاقاتهم. بينما تقوم بعض الشركات بممارسة ضغط ه‍ائ‍ل على العم‍ال ليزيدوا من انت‍اجيتهم وتهددهم بالصرف في حال لم يتمكنوا من انهاء المهام المطلوبة منهم ضمن مهلة محددة وإن كان ما تطلبه مستحيلا ويحتاج إلى ساعات عمل إضافية خرافية.

 

وفي محاولة لحل أزمة “الكاروشي” أصدر رئيس الوزراء الياباني، “شينزو آبي” مشروع قانون لا يلزم الموظفين ذوي الياقات البيضاء الذين يربحون في المتوسط 88 ألف دولار سنويًّا، بالالتزام بعدد ساعات العمل المحددة، وتوقف على الإنتاجية والتميز في العمل كيفًا أكثر منه كمًّا، ولا يلزم أصحاب العمل بدفع أجور لعدد ساعات العمل الإضافي.

 

وتباينت ردود الأفعال حول هذا القرار إذ رحب به عدد من الأطراف من بينهم “كدنرن” – أكبر لوبي في السوق الياباني- لاعتماد العمل على الجودة والإنتاجية وإعطاء الأجور الإضافية للعاملين من ذوي القدرة الإنتاجية العالية كيفًا، مع السماح بشيء من المرونة بين مدير العمل والموظف في مدى الالتزام بعدد ساعات العمل الرسمية، كما أن تطبيق التعديلات القانونية ليست إجبارية وإنما ستتم بالتوافق بين مدير العمل والعاملين.

وفي المقابل، رفض البعض القرار ورأوا أنه لا يُلزم أصحاب العمل على دفع رواتب الوقت الإضافي، وهو ما سيسمح من وجهة نظرهم بزيادة الأزمة، فالعاملون سيعملون في وقت إضافي دون إلزام مدير العمل بتغطيته ماديًّا، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة ضحايا “الكاروشي”.

وفي اطار حل هذه الأزمة أيضا يقول موريوكا – الأستاذ الجامعي -، إن القضاء على ظاهرة الموت الناجم عن ساعات العمل الزائدة سيعني تغييراً كاملاً لثقافة العمل اليابانية ويضيف إنه “من المستحيل التخلص من ظاهرة كاروشي وحدها. نحتاج لأن نغير ثقافة ساعات العمل الزائدة وأن نخلق الوقت المخصص للعائلة والهوايات. إن ساعات العمل الطويلة هي جذور الشر في اليابان. فالناس مشغولون للغاية حتى إنهم ليس لديهم الوقت الكافي للشكوى”.

شير